عبد الكريم الخطيب

993

التفسير القرآنى للقرآن

قوله تعالى : « ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ » . أي أن هذا المجادل الجهول ، يجادل ، وهو ثان عطفه ، أي مائل بجنبه ، تيها وكبرا ، واستنكافا عن أن يسمع دعوة الحقّ ، وهو مقبل عليها بوجهه ، بل يعطيها ظهره ، أو يلقاها بجنبه ، إمعانا في الكبر ، ومبالغة في العناد . وفي قوله تعالى : « لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » - إشارة إلى أنه بفعله هذا قد أراد أمرا ، هو إضلال نفسه ، وإبعادها عن الخير . . إنه يحسب أنه يكيد بهذا لمن يدعوه إلى اللّه ، وهو في الواقع إنما يكيد لنفسه ، ويوردها موارد الهلال ، كما يورد الذين اتبعوه هذا المورد . « لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ » وذلك بما يرى من إعزاز اللّه للنبىّ والمؤمنين ، ومن خذلانه سبحانه وإذلاله لجبهة الكافرين والمشركين ، الذين كان هذا الضالّ مظاهرا لهم ، ومحاربا في جبهتهم . . « وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ » وكما أنه لم يكن يقع في حسابه أن يجئ اليوم الذي تنهار جبهة الكفر ، وتتعفّر فيه جباه الكافرين بالتراب ، وقد جاء هذا اليوم الذي أخزاه وأذله - كذلك لم يكن يقع في تقديره أن يبعث ، وأن يجئ يوم القيامة ، وأن يحاسب على ما قدم من آثام - ألا فليعلم أن هذا اليوم آيات لا ريب فيه ، وسيلقى العذاب المهين في الآخرة ، كما لقى الخزي والهوان في الدنيا . . قوله تعالى : « ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » .